Nature / Street / Videography

كيف نشفى من حب تونس؟

“كيف نشفى من حب تونس!؟” قالها درويش وعاشها كل فلسطيني زار تونس. خرجنا منها ولم تخرج منا. كانت كلمات درويش أكبر حافز لي كي أرسم في مخيلتي -كما فعل غالب الفلسطينين- تونس الخاصة بنا.. كنت خائفا دوما من زيارة تونس حتى تبقى لدي تلك الصورة الجميلة في مخيلتي. لكنني مع وصول الطائرة لمطار قرطاج علمت أن الواقع أجمل من الخيال فالبشر والشجر والحجر في تونس يشكلون جمالا يتعدى أي خيال جميل حول هذا البلد.. لذا: شكرا تونس لأنك أنت

بدأ تعلقي بهذا النص قديما حين سمعته في شريط كاسيت في منزلنا حيث كان يحتفظ به والدي، وخلال أعوام طويلة طورت مشاهد خيالية في ذهني عن تونس تعانق النص، إلا أن تونس كان أجمل من الخيال وأقرب للنص من واسع أفكاري.

عندما قررت السفر لتونس تلبية لدعوة كريمة من مهرجان أفلام حقوق الانسان، وجدت بداخلي رغبة جامحة لتصوير فيلم قصير تجريبي عن تونس .. يروي ما بداخلي عن هذا البلد.. لم أجد كلمات أفضل من كلمات درويش وكان هنا المنطلق.

بدأت العمل على المعالجة البصرية للنص قبل السفر لتونس بحوالي الشهر، محاولة رصد المشاهد وتخيلها بمساعدة أصوات البحث على الانترنت كان فيه جزء من الجمال وحفزني للزيارة، إلا أنني لما زرت تونس وحدت أن هذا البلد مظلوم، فلا كلمات تصفه ولا خيال يصله ولا شعور يوصفه.

عدت أدراجي لغرفتي بعد أول يوم وقد قررت أن أحذف المعالجة البصرية التي كتبتها وأن أحمل نفسي بلا كاميرا للشارع أتوه في المدينة العربية القديمة وسيدي بوسعيد قبل أن تمتد يدي للمعالجة البصرية، وهنا كانت المفاجئة، إن جمال تونس لا يروي عطش الحب لها، فكلما ساقتني قدماي لمكان كنت أجد أنني أغوص في سباق على حلبة فروسية يحمل تنافسية عالية بين المشاهد، وانتهى بي الحال بعد ثلاثة أيام أصارع الوقت كيف أجلس لأكتب المعالجة البصرية قبل فوات الأوان وتحليق طائرتي من مطار قرطاج مرة أخرى.

عندما جلست ليلاً لأكتب المعالجة وجدت أناملي تنساق خلف الكلمات وكأن وحياً من الإلهام قد صفع مخيلتي، وبعد تفكيك المشاهد من مخيلتي ورصد مشاهد جديدة من الواقع قد دونتها على دفتر ملاحظات خارجي، وجدت نفسي أمام أسرع معالجة بصرية قد كتبتها في حياتي وقبل انتصاف الليل كانت المعالجة وأنا في انتظار الفجر لتبدأ رحلة التصوير التي امتدت من حمام الشط إلى سيدي بوسعيد ومن الفجر حتى الليل، امتد البحث بين جدران المدن وعلى أغصان الشجر وبين تساقط ريش الحمام في جامع الزيتونة، وعلى وقع صياح الأطفال خلال لعب كرة القدم عند خروجهم من المدرسة وعلى هدير أمواج الشط المتكسرة على قارب أزرق كُتب عليه للبيع.

لم تكن هذه تجربتي الوحيدة مع تصوير شعر درويش حيث صورت أيضا من قصر مالاجا: الكمنجات تبكي

نص قصيدة محمود درويش

كيف نشفى من حب تونس الذي يجري فينا مجرى النفس
لقد راينا في تونس من الالفة و الحنان والسند السمح ما لم نر في اي مكان اخر
ولذلك نخرج منها كما لم نخرج من اي مكان اخر
نقفز من حضنها الى موطئ القدم الاول
في ساحة الوطن الخلفية
بعدما تجلت لنا فيها
في البشر و الشجر و الحجر
صور ارواحنا المحلقة كعاملات النحل على ازهار السياج البعيد
في هذا الوداع نحبكِ يا تونس أكثر مما كنا نعرف
نرسب في صمت الوداع الحزين شفافية تجرح
ونُصفي كثافة مركزة الى حد العتمة التي تحل بالعشاق
ما أجمل الأسرار الكامنة وراء الباب الموارب، وراء بابك
وهو المساحة المثالية لتعامل الشاعر الحاذق مع العناصر التبادلية للقصيدة.
فهل نقول لك شكرا؟!
لم أسمع عاشقين يقولان شكرا …
لم أسمع ابدا عاشقين يقولان شكرا
ولكن شكرا لك لأنك انت من أنت.
حافظي على نفسك يا تونس.
سنلتقي غدا على أرض اختك: فلسطين.
هل نسينا شيئا وراءنا؟!
نعم، نسينا تلفت القلب وتركنا فيك خير ما فينا،
تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا
نوصيك بهم خيراً

Year 2024
Director Gamaal El Attar
Writers Mahmoud Darwish